!أنفقوا المال

حين تقوم  بسؤال من حولك، لا أحد يملك جوابًا محددًا لوقت بداية الأزمة المالية التي عصفت بالعالم منذ بضع سنوات. وبالرغم من أن البعض يزعم بأن آثارها كانت واضحةً في عام 2008، لا أستطيع أن أؤكد لكم بأن آثار الأزمة المالية تجلت واضحةً في العام ذاته. وكما يوجد خلافٌ ظاهرٌ على وقت بداية هذه الأزمة، هنالك خلافٌ آخر حول تأثيرات الأزمة بين منطقةٍ وأخرى وبين دولةٍ وأخرى. ومن بعض الأسباب التي تكاد تكون مقنعةً هو ما اتبعته بعض الشركات من سياسات التحوط ضد مخاطر شراء الديون بالاستثمار في العقود الآجلة. إلى جانب ذلك، أدت سهولة إنشاء المحافظ الاستثمارية مع غياب المراقبة والتدقيق علىى عملياتها إلى تفاقم حدة آثار الأزمة. كما أن هذه المحافظ لم تكن واقعية في نسب الأرباح التي كانت تعرضها لجذب المستثمرين، إلا أن غياب الوعي والرغبة في جني الأرباح السريع لعبا دورًا هامًا في الترويج لهذه المحافظ. في رأيي الشخصي؛ نحن لم نرَ الآثار الفعلية للأزمة المالية بعد.

في فيلم “آرثر”، يقوم المُمَثل “راسل براند” بسحب الأموال من حسابه البنكي باستخدام ماكينة الصراف الآلي ثم يقوم بتوزيع هذه الأموال على من تجمع حوله من الناس مشيرًا إلى أن على الناس أن يقوموا بإنفاق هذه الأموال والمزيد غيرها لحل الأزمة. قد يبدو الأمر ساذجًا بعض الشيء، ولكن المُمثل قدم بشكلٍ غير مباشر ما قد يكون حلاً  جزئيًا للأزمة. من تابع منكم الأخبار العالمية يعلمُ بأن مُعظم الحكومات قد اتبعت سياسات تقشفية للتقليل من نفقاتها كوسيلةٍ – كما كان في اعتقادهم – للتغلب على تبعات الأزمة المالية. وكما ترون، فإن هذا مخالفٌ تمامًا لما اقترحه المُمثل في الفيلم أو ما طرحهُ بعض المحللين بأن على العالم أن يتبع سياسات مُعاكسة لتلك المتبعة حاليًا.في دول كإيطاليا  وإسبانيا واليونان وغيرها، لم تقُم الحكومات بتقديم حلول فعالة لحل الأزمة بل قامت بفعل ما قد يسهم في زيادة حدة تأثيرها على هذه الحكومات وبالتالي على فئة الشعب الأكثر تأثرًا بالسياسات التقشفية المُتبعة.

ماذا يحدث حين تقومُ الحكومات بدفع أموال الضرائب لإنقاذ الشركات الكبيرة من شبح الإفلاس؟ بطبيعة الحال، يقل المال المتوفر للتداول مما يؤثر سلبًا على مستوايت الإنفاق؛ ثم تقوم الحكومات باحتساب ضرائب إضافية على دخل الفرد والشركات. للتوضيح؛خفض نفقات الحكومة يعني خفض رواتب العاملين فيها، وخفض رواتب العاملين فيها يعني انخفاض مستوى الإنفاق سبب قلة المال المتوفر للتداول، وقلة إنفاق الفرد على شراء البضائع والخدمات التي تقوم الشركات ببيعها أو توفيرها يعني تقلص دخل الشركات مما يجعلها بحاجةٍ للدعم الحكومي.قد يكون ما ذكرتهُ مبالغٌ به بعض الشيء لإهمال المستهلكين الذين يعملون في القطاع الخاص، ولكن الشركات العاملة في القطاع الخاص قامت باتباع سياساتٍ مماثلة لسياسات الحكومات في خفض مستوى العاملين بها لتقليل النفقات. إذاً، تأثير السياسات التقشفية، سواءً أكانت مُتبعة من قِبَلِ الحكومات أو من قِبَلِ الشركات الخاصة، واحد.

في الختام، قد يكون إنفاق المال على استهلاك بضائع وخدمات الشركات أحد الحلول المطلوبة للحد من تبعات الأزمة الاقتصادية، وهو كما أشرتُ مسبقًا، عكس ما تقوم به الحكومات والشركات حاليًا. قد يكونُ صوابًا ما قامت  به دول الخليج العربي حين قامت إحداهن بإيداع مبالغ مالية في حسابات الأفراد، وقامت أخرى بزيادة رواتب الموظفين بنسبٍ كبيرة لزيادة مُعدلات الإنفاق في أسواقها. فالهدف من هذه السياسات هو زيادة التضخم في الأسعار الذي يكون غالبًا نتيجة زيادة المال المُنفق. هل يُعتبر اصطناع تضخم الأسعار في هذه الحالة سيئًا؟ لا؛ لأن معظم الاقتصادات العالمية متجهةٌ نحو مستويات أسعار أقل بكثير مما كانت عليه قبل الأزمة. قد يكون ما اقتُرِحَ هُنا ضربٌ من الجنون، ولكن؛ هل تمكنت السياسات الاقتصادية والمالية المتبعة قي الوقت الراهن من انتشال الشركات والحكومات من هذا الركود الاقتصادي الذي يهدد معظم من لم يُفلس منهابالإفلاس؟