!عِش كاليونانيّين

في مقابلة على إحدى الإذاعات الأجنبية، تركز الحوار على الوضع الاقتصادي في أوروبا وفي اليونان خاصةً، وكان من ضمن المتحدثين وزير ألماني ووزير يوناني، وكما هو متوقع؛ تحدث الوزير الألماني عن المبالغ الطائلة المدفوعة لليونان من أموال الضرائب التي يتم تحصيلها في ألمانيا وغيرها من الدول المُساهمة لإنقاذها من تبعات الأزمة الاقتصادية، وبأن هذه الأموال أدت إلى تخفيض الإنفاق العام في الدول المعنية. وقد جاء الرد اليوناني مُختلفًا عمّا أراد الألمان سماعه حيث قال الوزير بأن اليونان أنفقت المال الذي دُفِعَ لها وأنها ستُفق أي مبالغ أخرى تُدفع لها في المستقبل. أليست تلك هي طريقة اليونانيين في العيشِ والعمل؟ وهي عكس ما يتميز به الألمان من انضباط وعملٍ مجتهدٍ دؤوب. هل لنا أن نتوقع سخطًا ألمانيًا على مثل هذا الرد أو على إنفاقٍ حكومي غير مسؤول من قِبَلِ اليونان؟ لابد من الانتباه هُنا أنَّ الاتحاد الأوروبي لم يربط فقط بين تجارة الدول الأعضاء وإنما جعل مصيرها الاقتصادي مُشتركًا للدول التي اشتركت في العُملة.

تناقشنا في إحدى مُحاضرات الماجستير منذ حوالي العام عن الاتحاد الأوروبي، وقد ذكر البروفيسور أسباب تأسيس الاتحاد وعن الحاجة لحمايته. ثم ذكر بأن شروط الانضمام للاتحاد الأوروبي والحصول على عضوية كاملة رغم صعوبة ذلك – كما هو واضحٌ في وضع تركيا مع الاتحاد – إلا أنَّ الشروط  لا تتضمن ما على الدول فعله في حال رغبتها في ترك الاتحاد، أو في حال رغبة الدول الأعضاء إخراج من يُعد عبئًا على الاتحاد، كاليونان مثلاً. إذًا، بطريقةٍ أو بأخرى، لا يُمكن لأي دولة الخروج من الاتحاد متى ما شاءت، أو إن جاز التعبير، لا يُمكن لأي دولة الخروج إطلاقًا. وفي حالة اليونان، قد تكون الطريقة الوحيدة لخروجها هي الإفلاس بعد استنزاف موارد أوروبا بالكامل. إلى متى سيتقبل ويتحمَّل دافعو الضرائب في الدول الأوروبية الأخرى العبء المالي لليونان ولغيرها من الدول التي تواجهُ صعوباتٍ مالية؟

من الشروط الأساسية لوضع خطة مشروع ناجحة هو التأكد من وجود استراتيجية تُمكن صاحب الفكرة من التوقف عن الاستثمار والخروج بأقل خسارة مُمكنة من المشروع. ومن الغريب والمُلفت للانتباه هو افتقار عضوية الاتحاد الأوروبي لهذا الشرط على الرغم من أهميته. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل كانت هذه غلطة غير مقصودة أم أن الاتحاد الأوروبي قد تعمّد التغاضي عن ذلك الشرط؟ يُجادل البعض بأن صعوبة الانضمام للاتحاد الأوروبي تكمن في كونهِ التزامًا لا يمكن التخلص منه، ولا يُمكن تقسيم الأملاك المُشتركَة لأعضاء الاتحاد في حال خروج أحدهم. ومن ناحية أخرى، يُجادل البعض بأن وجود شرط يُجيز للأعضاء الخروج متى ما شاؤوا ينتقص من أهمية تكوين الاتحاد. هل يُفترض أن تغادر الدول التي لا يُمكنها التكفل بنفقاتها الحكومية أو بالإنفاق العام؟ أو هل يُفترض بالدول أن تُغادر الاتحاد إن كان وجودها يؤثر سلبًا على قيمة العُملة المُشتركة – اليورو؟ في هذه الحالة، على باقي الأعضاء أن يغبطوا المملكة المتحدة بسبب استقلال عُملتها وسياساتها المالية.

لا يُمكن لأحد تخمين أو توَقُّع إلى متى سيستمر الااتحاد الأوروبي أو إلى متى سيبقى مُترابطًا بجميع أعضائه؛ ففي الوقت الراهن، 7 من27 دولة أفلست أو مُهددة بالإفلاس. لو غادرت اليونان الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال؛ سيتوجب عليها عمل الكثير لتطوير قطاعي العقار والسياحة من أجل كسب ثقة المستثمرين من جديد وليتمكنوا من دفع عجلة الاقتصاد نحو النمو. كما سيتوجب على اليونان أن تعمل على إعادة عملتها الدراخمة إلى سابق عهدها بعد الاستغناء عن اليورو مما سيزيد الأمور تعقيدًا لليونان، أو ربما يُبسطها، إلا أن ذلك سيكون رهنًا للسياسات المالية التي سيتم اعتمادها وتطبيقها. قد يكون ما تقوم به الشعوب الأفريقية من إنفاق المال بعد جنيه وليس العكس، كما هو الحال في الكثير من الدول؛ هو الحل الأمثل لتفادي تداعيات الأزمات الاقتصادية بدلاً من الترويج للديون ثم الترويج لبيعها والاستثمار فيها. ربما علينا أن نُنفق الأموال كما يفعل الأفريقيون، وأن نعيش كما يفعلُ اليونانيون: أنفِق، ولكن أنفق ما تجنينه من المال وليس ما تتوقع جنيه.