“تائه في الترجمة”

لمن يتذكر ذلك، كانت الليرة التركية تتميز بوجود الكثير من الأصفار فيها. لم يكن ذلك دليلاً على ارتفاع قيمة العملة، بالعكس، فالمليون ليرة آنذالك قد تُمكنُكَ من شراء رغيفٍ أو رغيفين من الخبز. وبغض النظر عن مدى صحة ذلك أو ما قد ما قد تتمكن من شرائه بمبلغ مليون ليرة تركية، لا يخنلفُ اثنان في أن ما حصل آنذالك هو ارتفاعٌ غير مسبوق للأسعار الذي أدى بدوره إلى حدِّ القوة الشرائية للشعب التركي. ولتتدارك تُركيا المُشكلة، قامت تركيا بإلغاء ستة أصفار من العُملة الذي كان بمثابة محاولة لإعادة قيمة العملة لسابق عهدها ولحماية مصالح الدولة والشعب بحماية قيمة عملتها الرئيسية مما سيُسهل أيضًا انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي. قد ترغب تُركيا في مراجعة ذلك الآن والنظر في رغبتها بالانضمام للاتحاد الأوروبي وإن كانت ترغب بربط مصيرها بمصير اليورو.

 حين تم إعادة تقييم في العملة، تم أيضًا اعتماد الكثير من التغييرات في السياسات المالية والاقتصادية لحماية التغيير وضمان أن لا تتحول الليرة التركية الجديدة إلى ما كانت عليه الليرة القديمة من تدني في القيمة وفي القوة الشرائية. ومن هذه التغييرات؛ قام البنك المركزي بخفض كمية الليرة الجديدة المتوفرة للتداول من قبل المُستهلكين. بالإضافة إلى ذلك، تم اعتماد أسعار فائدة أقل لموازنة خفض كمية الليرات المُتداولة جزئيًّا حتى وإن كانت تأثيرات تخفيض أسعار الفائدة مُؤقتَّة. تم أيضًا اعتماد تثبيت أسعار التبادل لبعض العُمُلات مع الليرة التركية الجديدة حتى لا يتأثر التبادل التجاري بين تركيا وغيرها من الدول بسبب انخفاض غير متوقع  لقيمة العملة، وحتى لا تتأثر قطاعات كالسياحة إذا ما ارتفعت قيمة العملة لمستوياتٍ مبالغٍ فيها خاصةً أنَّ تُركيا تُركِّزُّ حاليًّا على قطاع السياحة الذي تروِّجُ لهُ عن طريق ناقلها الوطني، الطيران التركي.

رُغمَ أن تركيا فعلت الكثير لإصلاح سياساتها المالية، إلا أن هنالك ما منعها من تحقيق أهدافها الاقتصادية. حين كتبت ههذا المقال أثناء إقامتي في إسطنبول في شهر يونيو عام 2012، لاحظت بأن الأتراك يثقون في اليورو أكثر من ثقتهم في الليرة التركية الجديدة، كما نحن في الإمارات نثق في الدولار الأمريكي أكثر من الدرهم الإماراتي.  قد يكون ذلك منطقيًّا بما أننا دائمًا ننتظر الإنقاذ من العم سام ونتطلَّعُ إلى ما سيفعله اقتصاديًّا، ولأن هنالك ربط بين العملتين، والعاملين  يُكمِّلان  بعضهما بعضًا. إذًا، أنا لستُ في موقفٍ يُخوِّلني لانتقاد سياسة تركيا المالية خاصةً وأنها ترغب في الانضمام للاتحاد الأوروبي ومن الطبيعي أن تعتمد اليورو في كثيرٍ من تعاملاتها المالية، ولكن في المُقابل، لا أستطيع تفسير بأنه لا يُمكنني أن أدفع قيمة الفيزة التركية في المطار إلا بالدولار الأمريكي!

باختصار، تركيا قطعت شوطًا كبيرًا منذ الوقت الذي كان قد يحتاج فيه أحدهم شاحنة مُحمَّلة بالأموال لشراء بيتٍ أو قطعة أرض. وهي بلا شك أنقذت نفسها من أن يتحول اقتصادها إلى اقتصادٍ يعتمدُ على المقايضة كالذي كان موجودًا في ألمانيا إبان الحرب العالمية الثانية وموجودٌ الآن في زمبابوي. مما أثار دهشتي أثناء زيارتي لجمهوريتي التشيك والمجر، وهما عضوتان في الاتحاد الأوروبي، هو أنَّهم  يعتمدون بشكلٍ كبير على عملاتهم المحليِّة في التعاملات المالية بينما تعتمد تركيا على اليورو بشكلٍ كبير – وهي ليست عضوة – حتى بعد إعادة تقييم عُملتها الرئيسية. والسؤال هُنا هو: لِمَ تترك تركيا عملتها ضائعة الهوية والقيمة بين اليورو والدولار الأمريكي؟إن كانت الحكومة تؤمن بسياساتها المالية وفعاليتها في الحفاظ على قيمة العملة الجديدة، لماذا تقوم الفنادق وغيرها بتحديد أسعار السِّلَع والخدمات المعروضة باليورو؟ وأحيانًا بالدولار الأمريكي؟