اقتصاد القرصنة البحرية

ليس هنالك ما هو جديد في نشاط القرصنة البحرية من حيث البمدأ، ولكن كل ما له علاقة بالقرصنة صار جديدًا في هذه الألفية، وستتطور الأمور أكثر إذا ما استمر الوضع كاستثمارٍ مجدي لأسياد القرصنة البحرية بالتوسع في استخدام طرق وتقنيات جديدة في القرصنة البحرية مع تنفيذ العمليت على نطاقٍ أكبر بكثير مما كان عليه في السابق. كان اللافت للانتباه في الآونة الأخيرة تزايد عدد المقالات المنشورة على بعض مواقع الصحف الأجنبية والتي استندت جميعها في معطياتها على ورقة بحث نُشرت من قبل البنك الدولي والتي كان الغرض منها التركيز على أن القرصنة البحرية وكل ما هو متعلقٌ بها قد تحول إلى اقتصادٍ شبه متكامل يتأثر بكثيرٍ من الناس الذين يشملهم الاقتصاد ويؤثر أيضًا على حياة الكثيرين. وقبل التطرق إلى المشكلة واقتراح أحد الحلول لها، لابد من ذكر بعض الحقائق هُنا:

إجمالي ما تم تحصيله من أموال الفدية من قبل القراصنة من عام 2005 وحتى عام 2012 يصل إلى مبلغ 400 مليون دولار ل 179 سفينة تم اختطافها بينما القراصنة الذين يقومون بعملية القرصنة لا يستلمون أكثر من 30 إلى 75 ألف دولار للقرصان الواحد، ويعد هذا المبلغ قليلاً جديدًا مقارنةً بما يتم جنيه من أموال الفدية خاصةً وأنه لا يقوم بتنفيذ العملية سوى قارب أو قاربين صيد من الحجم الصغير وأنه لا يحمل أحدها أكثر من 3 إلى 4 قراصنة.

وكما هو الأمر في أي مشروعٍ استثماريٍ جديد، مغامرات القرصنة البحرية تستدعي نوعين من التمويل:أولها التمويل البسيط الذي يمكن للقراصنة المشاركين في العملية دفع قيمته، والنوع الثاني الذي يتطلب تمويلاً أكبر بكثير للاستيلاء على عددٍ من السفن في عملية واحدة. قد يأتي التمويل في النوع الثاني من أي مستثمر أو ممول عدا البنوك والجهات الرسمية، وتترواح عوائد الاستثمار الأخير ما بين 30 إلى 75% من المبلغ المُستثمر. يعمل اقتصاد القراصنة كالتالي: يقوم الممول بجلب أمواله من خارج الصومال وهي إما أن تكون قد وضعت كودائع في البنوك أو تم استثمرها في العقار وغيره، وتستخدم تلك الأموال لتمويل مشتريات الموردين الصوماليين الذي يقومون بدفع المبلغ الأصل للمستثمر ناقص مبلغٍ معين من المال نظير القيام بعملية غسيل الأموال فور بيع البضائع المستوردة، ويقوم المستثمر بعدها بتمويل حملة قرصنة جديدة التي إذا ما تمت بنجاح ستحقق للمستثمر عوائد مالية طائلة ويكون الجميع قد استفاد.

في دراسة قامت بها المنظمة الدولية للشرطة الجنائية بالاشتراك مع مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة والبنك الدولي؛ تمت الإشارة إلى أن جزء من أموال الفدية يتم إنفاقه في المجتمع المحلي بشراء الاحتياجات اليومية لأولئك القراصنة وربما عوائلهم، بينما يستثمر الممولون جزءًا من أرباحهم في الصومال لتوسيع نطاق أنشطتهم واستثمار جزء آخر خارج الصومال. على سبيل المثال، يقوم بعض الممولون باستثمار أموالهم في مزارع “القات” في كينيا المجاورة للصومال، وعند التجهيز لعملية قرصنة بحرية جديدة، يتم تزويد القراصنة بكمية من “القات” وتُخصم قيمته من المبلغ النهائي الذي يتم دفعه للقرصان مقابل مشاركته في العملية، مما يعني أن الممول يحصل على قسمٍ من عوائد استثماره في مزارع “القات” من الأشخاص الذين حققوا له العوائد في بادئ الأمر. جديرٌ بالذكر هُنا أن إنفاق القراصنة والممولين في الصومال نفسها يؤدي إلى خلق وظائف في المجتمع المحلي، لذلك لا ترى مقاومةً من قبل المجتمع لأنشطة القراصنة.

يرغب الناس دائمًا في الحصول على وظائف آمنة ودخل ثابت، وفي حال ضمان ذلك للشعب الصومالي؛ لن يجد الممولون من يقوم بأنشطة القرصنة البحرية لهم. بالأحرى، ضمان وضع أسس صحيحة لاقتصاد دولٍ كالصومال بما يكفل للمجتمع تأمين لقمة العيش إلى جانب الاستمرار في خلق وظائف للشباب الذين ينضمون لسوق العمل سيؤدي إلى خفض عدد الأفراد الراغبين في الانضمام لأنشطة القرصنة بمخاطرها المعروفة. لا يوجد حاليًا زيادة في أعمال القرصنة البحرية في مياه القرن الأفريقي حيث انخفضت بنسبة 70% عما كانت عليه في السنوات السابقة، مع ملاحظة أن هنالك تزايد في أعمال القرصنة البحرية في خليج غينيا على الجانب الآخر من القارة الأفريقية. وبالنسبة لوضع الصومال الاقتصادي، لابد من النظر في تمويل مشاريع صغيرة متعلقة بالمجتمعات المحلية في الصومال لدفع عجلة اقتصادات هذه المجتمعات لتدفع هي بدورها عجلة اقتصاد الصومال وتقلل من الضغوطات على الحكومة لإيجاد حلول لمشكلة البطالة المتزايدة بين الشباب، على أن يخصص التمويل لكل فرد بتقييم ما يجيد صنعه كل فرد عن غيره بأقل تكلفة ممكنة.

في ختام المقال، أود منكم أن تفكروا بلماذا لا يقوم صندوق النقد الدولي بإنشاء مظلة تشرف على كافة المؤسسات التي تمول المشاريع الصغيرة لدعمها وتوجيه عمليات تمويلها بشكل أفضل؟

أترك الجواب لكم.

نقلاً عن الغلف نيوز.