الحكومة بحاجة إلى رعاية التكاليف الصحية

نُشر هذا المقال في الاقتصادي-الإمارات: رابط المقال

الفكرة التي يتمحور حولها اقتصاد الصحة هي تقييم العلاقة بين العوامل الآتية: العمر، ومتوسط العمر المتوقع، وتكاليف الرعاية الصحية الحالية والمُتوقعة، وكذلك مساهمة الحكومة في ملء المسافة بين خدماتها وما هو متوافر في المشافي الحكومية.

ولا يقتصر التحدي على جودة خدمات الرعاية الصحية التي يقدمها القطاع العام فحسب، بل كذلك على عدد الحالات الطبية التي يمكنه معالجتها في أي وقت. وعند صدور الكلفة الكاملة للرعاية الصحية، فإننا نجد كلفته باهظة.

وهنالك عامل آخر يجب أخذه بالحسبان، وهو شركات التأمين ودورها في تحصيل أقساط التأمين الصحي من الشركات الخاصة بالإضافة إلى المؤسسات الحكومية، ومن ثم تقدير ما هو مناسب أو غير مناسب لإنفاق الأموال عليه.

وبالطبع، فإن هذا يشمل مدة الانتظار الطويلة للحصول على موافقات للإنفاق على العمليات الجراحية وغيرها.

وإلا فسيكون نموذج العمل الذي تطبقه شركات التأمين هو ذات النموذج المطبق في جميع الصناعات، فالأموال موجودة سواء أنفقت على المشافي الخاصة، أو تلك التي تقع تحت ملكية وإدارة القطاع العام.

ويشكّل الإنفاق على الرعاية الصحية جزءاً من نفقات الحكومة الأساسية، كما أنّه عنصر رئيسي من عناصر الناتج الإجمالي المحلي؛ وهو موجود في جميع البلدان بنسب مختلفة.

فعلى سبيل المثال، يوجَّه النوع الأول من الإنفاق إلى البلدان التي ما تزال تعاني من أمراض مثل التيفوئيد، والملاريا، والتهاب الكبد، وغيرها حيث يستخدم هذا الإنفاق في سبيل توفير اللقاحات وعلاج المرضى.

أما النوع الثاني من الإنفاق، يمكن أن يجمع بين توفير اللقاحات للأمراض المذكورة آنفاً، ويمكن توجيه بعض النفقات إلى ما يسمى بأمراض بلدان الاقتصادات المتقدمة؛ وهي: مرض السكري، وارتفاع ضغط الدم، والكولسترول، وأمراض القلب، وخلل الجهاز العصبي، والمعالجات النفسية وغيرها.

ووفقاً لإحصائيات مجلة “إيكونوميست” البريطانية، تبلغ نسبة الإنفاق على الرعاية الصحية 43 بالمئة في الصين، و44 بالمئة في الهند، في حين تبلغ 12 بالمئة في كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية.

ولا يعزى ارتفاع النسب في الصين والهند إلى عدد السكان الكبير الملحوظ، وإنما يعود إلى تزايد حصة الطبقة المتوسطة. فمثلما يتقدم البحث في الرعاية الصحية مع التقدم الاقتصادي، يكون للأمراض في بلدان الاقتصادات المتقدمة حصيلتها الخاصة.

الأدوار المحورية

هنالك عدة عوامل تلعب أدواراً محورية في التعريف بالاقتصادات النامية والمتقدمة. وأحد هذه العوامل هو التوتر الذي يمكن أن يكون نتيجة الاضطرابات المالية، أو مشاكل العمل، أو حتى الأمور الشخصية.

كما يمثل الدخل المرتفع والدخل القابل للتصرف المرتفع عاملاً آخر يمكن أن يُترجم في بعض الحالات على أنه قدرة الناس على تحمل كلفة العشاء في الخارج على نحو متكرر أكثر من المعتاد. فإذا كان شخص ما على عجل في الذهاب إلى عمله، فإن الخيار الأمثل له هو شراء وجبة سريعة في طريقه إلى العمل أو أثناء عودته للمنزل.

وهذا ليس كل شيء، إذ يمكن لزيادة استهلاك التبغ، ومنتجات اللحوم، والمشروبات الغازية أن تزيد من مخاطر الإصابة بأي من أمراض البلدان المتقدمة.

ويظهر مستوى استهلاك تلك المنتجات حتى قبل زيادة دخل الفرد، إلا أنّ ارتفاع استهلاكها متى أتيحت الفرصة – ومع مرور الوقت طبعاً – يساعد على الإصابة بمثل هذه الأمراض المزمنة لا سيما مع غياب ممارسة التمارين الرياضية عن أسلوب حياة الفرد.

هذا وستبقى نفقات الرعاية الصحية جزءاً من ميزانيات الحكومات، لكن ذلك لا يعني أنه لا يمكن التخفيف منها.

فبالنسبة للاقتصادات المتقدمة، تتعلق المشكلة على نحو أكبر بأسلوب الحياة والاستهلاك غير المرغوب به، والذي يمكن التخفيف منه من خلال رفع مستوى الوعي لدى الناس، وفرض حصص نسبية ورسوم جمركية على استيراد المواد، وفرض ضرائب على المنتجات بشكلها النهائي التي تصل إلى المستهلكين مباشرة.

وقد فرضت المكسيك للتو ضريبة بمقدار واحد بيزو لكل لتر من المشروبات الغازية، بالإضافة إلى ضريبة بمقدار 8% على الوجبات السريعة. ولقد ساعدت ضريبة التبغ في فرنسا على تخفيض استهلاكه بين الشباب على الأقل.

وعلى الرغم من أن ذلك التأثير لم يمتد إلى جميع فئات السكان، إلا أنه حقق نتيجة محددة يمكن أن تتحول إلى عادة نأمل أن تصبح خياراً في أسلوب الحياة.

ولا يقتصر وجود شعب يتمتع بصحة جيدة على الحصول على إنتاجية أعلى فحسب، بل على تكاليف أقل في الرعاية الصحية في الوقت الحاضر وعلى المدى البعيد.

إن جعل التأمين الصحي إلزامياً في القطاعين العام والخاص، وخصخصة المشافي إدارياً – كما في تايلاند – سوف يخفض نفقات الرعاية الصحية في ميزانيات الحكومة، ويسمح، علاوة على ذلك، بالحصول على خدمات ذات جودة أعلى.

وفي النهاية، أترككم مع هذه الفكرة: كيف يمكن تحقيق التوازن بين المجتمعات المعمرة وتكاليف الرعاية الصحية؟