هل نفكُّ ربط عملاتنا بالدولار أم لا؟ هذا هو السؤال

نُشر هذا المقال في الاقتصادي-الإمارات: رابط المقال

في البداية كان الذهب هو المعيار. ثم لم يعد كذلك، ثم عاد مرة أخرى.

ثم أصبح الدولار هو المعيار، وكانت العديد من الدول في ذلك الحين مرتبطة به بشكل أو بآخر. وفي وقتٍ لاحق، اختارت الدول أن تربط عملاتها به – خصوصاً الدول المصدّرة للنفط – ليس فقط لأن تسعير النفط يتم بالدولار، أو لأنه العملة المهيمنة على التجارة الدولية، بل أيضاً لأن هذا الارتباط يمكّن الدولة من تحديد المعدّلات المقبولة للحفاظ على مخزونها من العملات الأجنبية أو زيادتها.

وهذا يضمن التخفيف من أثر معظم التقلبات التي قد تعصف بأسواق صرف العملات الأجنبية. فلندرس الآن ما يحدث في سيناريوهين محتملين: الأول عندما يكون هناك تغيّر في أسعار النفط، والثاني عندما يكون هناك تغيّر في أسعار الفائدة في “المصرف الفدرالي الأميركي”.

وقبل الدخول في هذه السيناريوهات، اسمحوا لي أولاً أن أشرح آلية العلاقة بين العملات المربوطة. فعندما يتم ربط عملات مثل الريال السعودي أو الدرهم الإماراتي بالدولار، فإن سعر الصرف لا يتغير أبداً عن السعر المقرر مسبقاً. وهكذا، عندما تقوم شركة ما في أحد هذين البلدين باستيراد منتجات عليها أن تسدد ثمنها بالدولار، فإنها تكون قادرة على الحصول على الدولار من المصارف التي تشتريه من المصرف المركزي بصورة مباشرة.

وإذا ارتفعت قيمة الدولار، فإن المصارف المركزية في كلا البلدين ترهن المزيد من الموارد، مثل الأصول قصيرة الأجل، من أجل شراء الدولار إذا لم تكن احتياطيات المصرف المركزي كافية. وإذا انخفضت قيمة الدولار يحدث العكس.

فلننظر الآن في السيناريو الأول: أي التغيّر في أسعار النفط.

عندما ترتفع أسعار النفط، فإن دولاً مثل السعودية والإمارات تبدأ بمراكمة المزيد من الاحتياطيات النقدية لأنها تحقق عائدات أعلى بالدولار، ما يعني أيضاً أن إنفاقها لشراء الدولار أو دعم الارتباط به يصبح أقل، وبالتالي تدعم عملاتها.

أما عندما تنخفض أسعار النفط، فإن البلدان ذاتها سوف تراكم أموالاً أقل بسبب انخفاض العائدات التي تنجم عنه، وعليها أن تنفق كميات أكبر لشراء المزيد من الدولار.

السيناريو الثاني: التغيّر في أسعار الفائدة في “المصرف الفدرالي الأميركي”.

إن العلاقة هنا غير مباشرة؛ فعندما يقرر المصرف الفدرالي رفع أسعار الفائدة – كما فعل مؤخراً – فإنقيمة الدولار ترتفع نظراً لانخفاض كتلته المتداولة، وذلك من الناحية النظرية على الأقل.

وعندما يخفض المصرف الفدرالي أسعار الفائدة – وهو ما لن يحدث قريباً بعد الارتفاع الحالي – فإن قيمة الدولار تنخفض. بعد معرفة هذه الأمور، ماذا يحدث للعملات المرتبطة بالدولار في كلٍّ من الحالتين؟ إنَّ كون الدولة هُنَا مصدرة للنفط أم لا أمرٌ اساسي في تحديد كيف سيؤثر التغير في معدلات الفائدة على الدولار في قراراتها. فكازاخستان وأذربيجان -وكلتاهما من الدول المنتجة للنفط ومصدّر صافٍ له- قامتا بتعويم عملتيهمافي فترات زمنية مختلفة. ونتيجةً لذلك، فإنهما توفران فهماً معقولاً للطريقة التي يتشكّل بها قرار تعويم عملتيهما التينغ والمانات.

وقد فعلت كازاخستان ذلك خلال أغسطس (آب) عندما كان واضحاً أن أسعار النفط لن تنتعش عما قريب. واستطاعت على الأقل أن تقلل خسائرها، بل وربما شجعت الاستثمارات الأجنبية والسياحة وقطاعات التصدير الأخرى من خلال إلغاء الارتباط بالدولار. كما أنها أيضاً وَقَتْ نفسها من تحمّل تكاليف إضافية تفوق كثيراً قرار المصرف الفيدرالي رفع أسعار الفائدة.

عند ذلك قررت أذربيجان تعويم عملتها، وكانت النتيجة الإجمالية الصافية هبوط قيمة العملة بنسبة تجاوزت 50% عام 2015.

لطالما كان الارتباط بالدولار مثاراً للجدل، خصوصاً في حالة الدول المصدّرة للنفط في الخليج. والكويت هي الدولة الخليجية الوحيدة التي غيّرت الوضع القائم مسبقاً من خلال ربط دينارها بسلة من العملات يهيمن عليها الدولار بصورة كبيرة.

وقد رفع مصرف الإمارات المركزي سعر الفائدة عندما قام “المصرف الفدرالي الأميركي” بذلك، مضحياً بجزء من الاستهلاك المحلي من أجل خفض التكاليف المتوقعة لارتفاع الدولار. وتذكروا أن هذا الارتفاع ليس لمرة واحدة وأن أسعار النفط لن تتعافى قريباً.

الفكرة الأخيرة التي أريد أن أترككم معها هي: لماذا لا نختار سلة من العملات يتم تشكيلها بناء على حاجات المصارف، والدول الخمس التي تجري معها معظم المبادلات التجارية، والديون الأجنبية؟