هل ينبغي أن تكون الاعتبارات الاقتصادية في صميم عملية صنع السياسات؟

نُشر هذا المقال في الاقتصادي-الإمارات: رابطالمقال

ليس هناك تأكيد إذا كان هذا الأمر يعطي بالفعل الفوائد المرجوة.

الاقتصاد هو القلب النابض لكل الأمور. أليس كذلك؟

لقد حضرت المئات من الاجتماعات (بعضها طوعي والآخر إجباري) والتي تغطي طيفاً واسعاً جداً من المواضيع. وهذا أمر منهك بالطبع بالنسبة لشخص لا يحب الاجتماعات التي تتجاوز 15 دقيقة.

وخلال كل تلك المعاناة –والاحتمال الكبير للإصابة بالسكتة الدماغية بسبب الجلوس ساكناً لساعات– لا أذكر تقريباً أي اجتماع ناقش علم الاقتصاد بتعمق، وكأنه غير موجود، أو ربما أنه لا يثير الاهتمام على الإطلاق.

تحاول هذه المقالة، في مجملها، الإجابة عما إذا كان يجب اعتبار الاقتصاد في صميم صنع السياسات، وهو سؤال بلاغي طبعاً.

لننظر في بعض الأمثلة هنا لاختبار التعميم الذي أدليت به أعلاه. المثال الأول هو جدوى إدراج الاختبارات الجينية الشاملة في تحاليل ما قبل الزواج. ففي دولة الإمارات، يتم إجراء اختبارات الدم قبل الزواج أساساً للحد من انتشار الثلاسيميا، وهو مرض وراثي.

ومع ذلك، إذا قرأت تقرير “منظمة الصحة العالمية” على مدى السنوات القليلة الماضية؛ ترى أن الأسباب الرئيسة للوفاة بين سكان دولة الإمارات هي: 1. أمراض القلب والأوعية الدموية والسكري، 2. الأمراض غير المعدية الأخرى، 3. السرطان.

إذا شمل الاختبار الجيني فحص هذه الفئات من الأمراض، على الأقل فيما يتعلق بالأسر التي يدل تاريخها المرضي على وجود مخاطر عالية للإصابة بها، ألن يؤدي ذلك إلى إنقاذ آلاف الأرواح وتوفير المليارات من أقساط التأمين الصحي والتكاليف الصحية المستقبلية؟

هل يحمل هذا الأمر منطقاً اقتصادياً؟ لا أدري. ولكن يمكن لمجال اقتصاديات الصحة الإجابة عن ذلك.

المثال الثاني هو استثمارات إثيوبيا في إنشاء المجمعات الصناعية. إذ مع انخفاض تكلفة العمالة، وتوفر الأسواق المحلية والإقليمية الضخمة، يصبح الوضع مثالياً من الناحية التجارية لجذب الشركات للاستثمار في صناعة النسيج وغيرها.

ما الغاية التي تستهدفها إثيوبيا؟ خلق فرص العمل للأعداد المتزايدة من الشباب، وتحسين البنية التحتية التي تقلل من وقت التنقل والنقل، ما يخفض التكاليف، وزيادة الثروة التي يتضح نموها من خلال الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد.

ويؤدي ذلك إلى انخفاض معدل وفيات الأطفال، وارتفاع مستوى التحصيل العلمي، وزيادة متوسط العمر المتوقع في إثيوبيا على مدى العقد الماضي. هل يحمل هذا الأمر منطقاً اقتصادياً؟

لا أدري. ولكن يمكن لمجال اقتصاديات التنمية والعمالة والصناعة الإجابة عن ذلك.

والمثال الثالث والأخير هو محاولة بعض البلدان زراعة جميع أنواع المحاصيل لكي تكون مكتفية ذاتياً فيما يتعلق باحتياجاتها الغذائية. إذا نظرنا إلى جوهر الأمر، فإن ذلك يتطلب مساحات شاسعة من الأراضي الصالحة للزراعة (مع توفر المناخ المناسب بالطبع)، والاستثمارات الرأسمالية الضخمة، والعمالة الماهرة، لتشغيل الآلات لأن الأتمتة أمر لا مفر منه.

ولكن ماذا لو ركّزت تلك البلدان بدلاً من ذلك على واحد أو اثنين من المحاصيل الغذائية الأساسية التي تحقق لها غلة أعلى نسبياً، وبتكلفة إنتاج أقل؟ ولا ننسى هنا بالطبع الناحية الجيوسياسية المرتبطة بالأمن الغذائي.

ولكن دعونا نتحدث عن الاقتصاد لهذه المرة فقط. هل سيكون الإنتاج الزراعي أكثر فعالية إذا ركزت البلدان على ما يمكنها إنتاجه على نحو أفضل وأرخص؟

هل يحمل هذا الأمر منطقاً اقتصادياً؟ لا أدري. ولكن يمكن لمجال اقتصاديات الزراعة الإجابة عن ذلك.

هل يشير ما سبق إلى جوهرية الدور الذي يلعبه مجال الاقتصاد في جميع السياسات وعمليات صنع القرار؟ سأجيب من خلال استخدام قاعدة أساسية جداً وهي قياس المدة التي تستطيع أن تستمر خلالها السياسة المُعلنة التي أَخَذَت بعين اعتبارها الجانب الاقتصادي في مرحلة التخطيط أو مرحلة ما قبل التنفيذ قبل أن يتم إلغاؤها بدلاً من تعديلها. دعونا ننظر في الأزمة المالية عام 2008 على سبيل المثال. لقد بدأت المصارف المركزية مؤخراً في اتخاذ إجراءات لعكس بعض التدابير التي اتخذتها عقب الأزمة، أي بعد ما يقرب من عقد من الزمان.

تشير هذه المدة الطويلة نسبياً في استمرار سياسة المصارف المركزية دون الحاجة إلى تعديلها إلى أن مرحلة التخطيط حَوَت الكثير من الفكر والدراية الاقتصادية والدراسات المُفَصّلة لما سينتج عن تطبيق مثل هذه السياسات على الصعيدين المحلي والدولي (تندرج هذه السياسات تحت مجال الاقتصاد النقدي بالمناسبة).

علاوةً على ذلك، فإن مُعدل البطالة في الولايات المتحدة هو في أدنى مستوياته منذ عام 2008، كما تشير التقارير إلى أن اليابان تحقق نمواً إيجابياً على مدى عدة أرباع سنوية متتالية. الفكرة الأخيرة التي أريد أن أترككم معها هي: كيف يمكن توجيه عملية اتخاذ القرارات الاقتصادية على أفضل وجه؟