مشكلة تصاعد العجز التجاري

نُشر هذا المقال في الاقتصادي-الإمارات: رابط المقال

لقد أدرجتُ في مقال سابق الدول الخمس الأعلى من حيث الفائض التجاري، وأوضحت بإيجاز أسباب تفرّد حالة كل بلد بحد ذاته. أما هنا فسأناقش أعلى خمس حالات من العجز التجاري، كما تظهر من خلال ميزان المدفوعات، وسأشرح باختصار كيف وصلت هذه البلدان إلى هذه المرحلة، وكيف يمكن تخفيض هذه الحالات من العجز التجاري؟

والحالات الخمس التي سأناقشها هي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا وفرنسا والفلبين.

من الأمور الشائعة التي وجدتها مشتركة بين البلدان الخمس جميعها أن استهلاك الأُسَر النهائي (كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي) يتجاوز 50% حسب بيانات “البنك الدولي”. (الرقم الأخير للولايات المتحدة هو فقط لعام 2015 بدلاً من عام 2016). ومع ذلك، يجب أن أشير هنا إلى أن استهلاك الأُسَر في ألمانيا يتجاوز أيضاً 50%. فما الذي يجعل ألمانيا تتمتع بأكبر فائض تجاري في حين أن الولايات المتحدة لديها عجز تجاري تبلغ قيمته ضعف قيمة الفائض التجاري لألمانيا تقريباً؟

قد يخطر في بالك الآن تساؤل عن سبب شروعي في نقاش الموضوع من خلال مناقشة الاستهلاك بدلاً من الركيزتين الأساسيتين للتجارة: الواردات والصادرات. وبإلقاء نظرة سريعة على المدى الكبير لتجاوز واردات الولايات المتحدة لصادراتها، يمكن للمرء أن يُحَدِّد مصدر العجز.

ولكن السبب الذي جعلني أبدأ باستهلاك الأُسَر هو كونه الدافع الرئيس للواردات. اقتصاد الولايات المتحدة قائمٌ على الاستهلاك بشكل كبير، ما يفسر الزيادة في الواردات بالمقارنة مع الصادرات وبالتالي العجز التجاري المتراكم على مر الزمن.

لهذا السبب، تحتاج الصين إلى توخي الحرص بينما تنتقل من نموذج النمو المعتمد على الصادرات إلى نموذج النمو القائم على الاستهلاك. وعند مقارنة ألمانيا بالولايات المتحدة نجد أن ألمانيا تستورد أقل مما تُصدّره، ويوازي العدد الدال على هذا الفرق نفس العدد تقريباً الذي يدل على الفائض التجاري الذي تشير إليه التقارير.

عند دراسة استهلاك الأُسَر الأميرکية والألمانية في الفترة الممتدة من 1960 إلی 2015، فَمِنَ المُلاحظ أن ألمانيا حافظت علی نسبة 50 – 60%، في حين أن استهلاك الولايات المتحدة بدأ من 61% في عام 1960 وارتفع إلی نحو 70% عام 2015 في مسار تصاعدي.

من الجدير بالذكر أن ألمانيا تستورد لتلبية حاجات التصنيع مع تحقيق توازن دقيق بين استهلاكها المنزلي وجميع أنواع الاستهلاك الأخرى.

تُعتبَر كل من المملكة المتحدة وكندا وفرنسا والفلبين دولاً مستوردة بشكل كبير. وبالمقارنة مع الولايات المتحدة، يبلغ العجز في المملكة المتحدة 10% من عجز الولايات المتحدة، والذي يمكن تبريره أيضاً بارتفاع استهلاك الأُسَر المعيشية لأكثر من 65%.

وفي حالة كندا وفرنسا، فإن هاتين الدولتين تستوردان بشكلٍ كبير. أما الفلبين، فهي مُتميزة عن غيرها، حيثُ تتمتع بأعلى استهلاك للأُسَر بين جميع البلدان التي تمت مُقارنتها في هذا المقال وتعاني من عجز تجاري على الرغم من أن صادراتها تتجاوز وارداتها. ويمكن تفسير ذلك بضعف البيزو الفلبيني مقارنة بالدولار الأميركي.

ويمكن أن يكون ذلك أيضاً عاملاً مساهماً بالنسبة للبلدان الأخرى، ولكن بدرجات متفاوتة.

وفي الختام، هناك ثلاث نقاط رئيسة تسهم في تحقيق المزيد من التوازن في تجارة البلد، سواء من حيث الفائض أو العجز.

1 – ينبغي على البلدان التي لديها فائض تجاري ضخم، وصناعات أكثر تطوراً، أن تقيّم صادراتها بالنظر إلى الأسواق المستوردة الرئيسة لتلك الصادرات. والفكرة هي أن تنشئ في نهاية المطاف نسخاً طفيفة من تلك الصناعات في بلدان العجز التجاري، ما دامت تكاليف الإنتاج أقل. ويمكن لاقتصادات الحجم من خلال وصولها إلى الأسواق الإقليمية أن تجعل هذا ممكناً من الناحية المالية.

ومن شأن بعض الإجراءات كخلق فرص العمل ونقل المعرفة والتدريب المناسب أن تُسهم في الدفاع عن البلد الذي يتمتع اقتصاده بفائض تجاري.

2 – يجب على البلدان أن توازن بين وارداتها وصادراتها، في ضوء قيم عُمُلاتِها. إذ عندما تكون الصادرات أرخص والواردات أغلى، تستمر زيادة العجز التجاري.

3 – لا يمكن أن يعتمد مستقبل النمو على التصدير وحده أو على الاستهلاك وحده، بل يجب أن يمزج بين الاثنين وذلك اعتماداً على البلد بحد ذاته. الفكرة الأخيرة التي أريدُ أن أترككم معها هي: ما الدور الذي تلعبه القوة الشرائية في الفائض/ العجز التجاري؟