نموذج للتنمية المتوالية يمكن أن يساعد في خلق اقتصاد مستدام

نُشر هذا المقال في الاقتصادي-الإمارات: رابط المقال

وصفوها بـ “المعجزة الآسيوية”. كان ذلك في منتصف خمسينيات القرن الماضي عندما قررت اليابان لأول مرة الابتعاد عن الاقتصاد الزراعي، وتبعتها كوريا بطريقة مختلفة. ثم حذت بعض الدول الآسيوية الأخرى حذوها، وكانت لكل منها قصة نجاح أو فشل. فما الذي حصل؟ ولماذا هو أمر مهم اليوم؟ إليكم القصة.

أرسلت اليابان مهندسيها وغيرهم من الاختصاصيين إلى ألمانيا من أجل اكتساب المعارف التي يمكن أن ينقلوها إلى بلادهم. وفعلت كوريا الشيء ذاته، لكن عن طريق إرسالهم إلى اليابان، حيث أدركت هذه الدول أنه لا بأس في أن تكون في البداية من مُصدّري المواد الأولية، أو أن تكون دولاً زراعية تصدّر المواد الغذائية الأساسية ذات الطلب الكبير في بداية طريقها لتسريع النمو والمنافسة العالمية.

ومع ذلك، كانوا أيضاً يعلمون جيداً أن ذلك لن يكون كافياً للحاق بركب القوى العظمى. وعلموا أيضاُ أنهم يتمتعون بالأفضلية نظراً لوفرة اليد العاملة وانخفاض تكاليف التصنيع مقارنة بالبلدان الأخرى. وبما أن مثل هذه الميزة لا تدوم، كان عليهم وضع سياسة مختلفة من شأنها أن تستفيد من الأفضلية الموجودة اليوم في الاقتصاد المعرفي الذي يحافظ على نفسه على المدى الطويل، خصوصاً أنه ليس لدى أي منهم احتياطي من الموارد الطبيعية.

وبالتالي، فرضت رسوماً جمركية على الواردات، ليس لتعزيز الصناعات المحلية وحسب، بل أيضاً لوقف تدفق العملات الأجنبية إلى الخارج، بينما تضمن في الوقت ذاته أن الشركات المحلية –التي تحوّلت فيما بعد إلى ما يطلق عليها “تكتّل” أو “conglomerates” – تستطيع أن تشتري كل ما تحتاجه من العملات الأجنبية التي يتم صرفها حصراً من أجل استيراد البضائع الأجنبية. لكن كان هناك شرط في هذه الحالة.

كان على الشركات في ذلك الوقت أن تبيّن الكميات التي تستوردها كي تكون مؤهلة للحصول على العملات الأجنبية. وكان هذا الأمر مطبقاً خاصةً في كوريا الجنوبية التي بلغ بها الأمر إلى الحد من سفر مواطنيها من أجل ضمان عدم حاجتهم لشراء العملات الأجنبية الذي سيؤدي بدوره إلى تقليل العملات التي يمكن للشركات الكورية الحصول عليها.

إضافةً إلى ذلك، تأكدت هذه البلدان من أن تشاركها الشركات الأجنبية خبراتها عندما ترغب بالاستثمار. وبالتالي نجحت دول شرق آسيا في تحقيق ما كانت تهدف إليه بالضبط عندما وضعت سياسات النمو الخاصة بها في مكانها المناسب، سواء من خلال إلزام المستثمرين بالشراكة مع شركة محلية، أو من خلال شراء الشركات الأجنبية الموجودة في بلدانها الأم خاصةً تلك التي تعاني من أزمة مالية.

هذا ما حصل، وهو مهم اليوم لأنه هو طريق التقدم للدول العربية التي استقرت على تصدير السلع الأساسية والاستثمار المحدود لرأس المال. وبدل الحديث عن كل تلك الدول بصورة جماعية، سأناقش هنا حالة اليمن ولماذا يمكن أن يكون النموذج الآسيوي ذو أهمية بالغة لإعادة إعماره في المستقبل، فخصوصاً بعد أن دعت دول مجلس التعاون الخليجي لعقد مؤتمر لإعادة الإعمار بمجرد التوصل إلى اتفاق سلام، يمكن أن تتحول نقاط ضعف اليمن إلى ميزات، حيث بلغت معدلات البطالة 27% عام 2014، والناتج المحلي الإجمالي للفرد 3800 دولار.

ولا يمكن المقارنة بين اقتصاد اليمن واقتصاد كوريا الجنوبية بأي شكل من الأشكال، حيثُ أن وجه الشبه الوحيد هو البداية المتواضعة، ولم يحقق اليمن كامل إمكاناته بعد. وخلافاً لكوريا الجنوبية، يملك اليمن الموارد الطبيعية بغض النظر عن مدى تواضعها مقارنةً مثلاً بأكبر عشر دول منتجة للنفط والغاز الطبيعي.

لم يكن لدى كوريا الجنوبية مثل هذه الموارد في بداياتها، وكان تركيزها بادئ الأمر على الزراعة ثم الصناعة قبل أن تنتقل إلى تصدير خبراتها في مجالات البناء والتقنيات الأخرى. وما يزال اليمن في الحقبة الزراعية، ويبدو عالقاً لأنه لا يستغلها الاستغلال الأفضل. وقد يقول قائلٌ هنا أن الدول التي انطلقت من قاعدة زراعية فعلت ذلك في أوائل إلى منتصف القرن العشرين، لذلك كانت لديها أفضلية المبادرة.

لكن لنتذكر هُنَا بأن الصين لم تضع سياسات الإصلاح والنمو الصناعي وتبدأ بتطبيقها حتى أواخر القرن الماضي، وانظروا إلى ما هي عليه اليوم. النقطة التي أشير إليها هي أنه يمكن البدء بالزراعة بغض النظر عن السنة أو القرن، ولدى اليمن المناخ الأمثل لزراعة سلعة غذائية ذات طلب متزايد، وهي البُن.

سبق لي أن أجريت دراسة منذ مدة لتقييم التقدم الزراعي في بلدان مختلفة بالإضافة إلى تقييم إمكاناتها الزراعية. الأمر المدهش هو أن الدراسة أظهرت بان اليمن لديه إمكانات هائلة رغم أنه لم يحرز تقدماً كبيراً. ويمكن أن يُعزى هذا الأمر إلى ضعف الاستثمارات في الزراعة وأن الاقتصاد يركز أكثر على تصدير الموارد الطبيعية من النفط والغاز.

ويمكن أن يُعزى أيضاً إلى أن الزراعة تستهلك تسعين في المئة من مجموع الموارد المائية في اليمن التي تعتمد على الأمطار بشكل أساسي. وبالتالي يجب حل مشكلة المياه من أجل إصلاح الزراعة وتحسينها، والطريق الوحيد للمضي قدماً هو تحلية المياه حيث أن مياه الأمطار والمياه الجوفية لا يمكن أن تضمن نجاح هذا القطاع.

وتضمن الحاجة إلى بُنية تحتية أفضل من خلال إنشاء طرقات ومطارات وموانئ شحن جديدة ذات استطاعة كبيرة لمعالجة كون الأموال المتجهة إلى اليمن تُستخدم لذلك الغرض، التي ستؤدي بدورها إلى خلق المزيد من فرص العمل.

وبما أن اليمن يحتل المرتبة 151 من 160 بلداً وفق “مؤشر أداء الخدمات اللوجستية لعام 2014″، الصادر عن “البنك الدولي”، فإنه يمكن في الحقيقة القيام بالكثير. فبوجود معدلات عالية من البطالة والعمالة الرخيصة نسبياً، يمكن أن يؤدي تصدير البن بدايةً إلى تحقيق أفضلية نسبية في الأسواق الزراعية العالمية، وتمهيد الطريق لمرحلة النمو القادمة، ألا وهي الصناعية.

لا أحد يقول أنه ينبغي على اليمن أن يصنع الجيل التالي من هواتف “غالاكسي” الذكية أو السيارات الهجينة. إلا أنه يمكن الإسناد إلى اليمن الكثير من الـ “outsourcing”، أي أن يستعان بها من مصادر خارجية، بدلاً من إسنادها إلى دول أخرى. فنظراً للتشابه في اللغة والثقافة، وعند تقديم التدريب الملائم، لاشك بأن اليمن يمكن أن يتحول إلى محور صناعي يغذي الطلب المتزايد لدول الخليج.

أي أن الكثير من البضائع المستوردة التي تبدو صناعتها غير مجدية مالياً يمكن إنتاجها في اليمن، إلى جانب الصناعات منخفضة التقنية الأخرى حتى تتوفر إمكانية تطويرها. ومن باب الجدل، يمكن لكلفة تصنيع البضائع في اليمن أن تُباع بسعر أقل من المنافسين في جنوب آسيا إذا تم تدريب الأفراد في مختلف المجالات الصناعية.

وبما أن اليمن يحتل موقعاً استراتيجياً بين الشرق والغرب، فإنه بلا ريب يتمتع بأفضلية كبيرة لإدارة قطاع كبير في التصنيع والتصدير فضلاً عن قطاع إعادة التصدير. وينبغي أن تعالج المرحلة الأخيرة قطاع الخدمات لكن بأسلوب أكثر تخصصاً.

يمكن إحياء السياحة في اليمن فور إزالة المخاطر السابقة وبوضع إطار ملائم لجذب الاستثمارات التي من شأنها تطوير قطاع الضيافة. وستضمن الكلفة التنافسية لتوظيف اليمنيين أن يستمر خلق الوظائف، وذلك إذا تم تكريس المزيد من الموارد من أجل السياحة مقارنة بالخطط التي نوقشت سابقاً.

ويمكن لهذه الأخيرة أن تتضمن مشروعات تزيد من قدرة اليمن على جذب المزيد من السياح وتمكنه من استضافة الفعاليات العالمية.

باختصار، يجب حل مشكلة المياه في اليمن بمجرد التوصل إلى تسوية. ومن ثم يجب الترخيص للمشروعات من أجل زيادة خصوبة الأرض وضمان أن اليمن بات على مسار طويل الأمد ليصبح من بين أكبر عشرة منتجين للبن في العالم. وإن مشروعات البنية التحتية -سواء كانت للأغراض الزراعية أو الصناعية- تحتاج للتخطيط والتنفيذ بعناية من أجل إيجاد فرص العمل وزيادتها على قاعدة مستدامة، ما يضمن عدم الوصول سريعاً إلى حالة الإشباع المفرط كما حدث في اليابان.

ورغم أنه سيكون من الصعب على اليمن أن يحصل على سمعة كبيرة في قطاعات صناعية معينة، إلا أنه ما يزال عليه أن يستضيف العديد من المناطق الصناعية والاقتصادية التي يمكن أن تستثمر فيها دول الخليج وأن تسند إليها جزءاً كبيراً من صناعاتها.

وينبغي عموماً أن يقلل هذا تكلفة الـ “outsourcing” الذي تقوم به الشركات الخليجية، بالإضافة إلى التقليل من الاعتماد على العمالة الأجنبية. ويمكن تحويل الموقع الجغرافي الاستراتيجي لليمن إلى مكان للتجميع، ومركزاً للتجارة، وملاذاً مزدهراً لتداول البضائع، والمثال على ذلك هو هونغ كونغ وسنغافورة.

ومن خلال وجود منافذ على البحر الأحمر وبحر العرب ومنه إلى المحيط الهندي، يمكن أن يتحول اليمن إلى قاعدة لمكافحة القرصنة وأن يصبح الضامن لسلامة التجارية البحرية العالمية، خصوصاً تلك المتجهة إلى قناة السويس.

أخيراً، بمقدور اليمن أيضاً زيادة عنصر الثروة السمكية في اقتصاده من خلال التخطيط واستخدام أساليب أفضل للصيد وتنمية الثروة السمكية. الفكرة الأخيرة التي أريد أن أترككم معها هي: هل يمكن تطبيق نموذج مشابه في دول عربية أخرى؟