تأثير العقوبات محدودٌ بالمدى القصير

نُشر هذا المقال في الاقتصادي-الإمارات: رابط المقال

هل العقوبات مؤذية للدولة التي فُرضت عليها؟ سألت نفسي هذا السؤال مراراً وتكراراً، وفي كلّ مرّة أستنتج أنها لا يمكن أن تكون سيئة إلى هذه الدرجة، إذ أننا لم نسمع بانهيار أي دولة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي.

وكي أدعم هذه الفرضيّة، أجريتُ استفتاءً عبر “تويتر” استمر لثلاثة أيام اسأل فيه ما إذا كانت العقوبات سيئة. ومن بين 3916 صوتاً، كانت 28% من الأصوات “نعم” و 30% من الأصوات “لا”. وما أثار اهتمامي كان التصويت لـ”لست متأكداً”، حيثُ كانت النتيجة 42%.

وتقول هذه النسبة الكثير عن الأشخاص الذين يفكّرون فعلياً بشأن مسألة العقوبات وما إذا كانت مؤذية، أو بعبارة أخرى فعّالة. وبعد أن قلنا ذلك، فهل العقوبات مؤذية حقاً للدولة التي فُرضت عليها؟

تنقسم العقوبات إلى العديد من الأنواع الفرعية، حيث يمكن فرض العقوبات على الأفراد، ويمكن فرضها على المؤسسات، مثل المصارف والشركات الحكومية. وهناك طريقة أخرى ممكنة لفرض العقوبات عن طريق عزل مصارف البلاد عن النظام المالي العالمي الذي تديره “جمعية الاتصالات المالية العالمية بين المصارف”، التي تسمى اختصاراً “SWIFT”. (أحب الاعتقاد أن SWIFT جاءت أولاً في اللغة الإنجليزية ثم أوجدوا لها دلالة).

ويمكن أن ترتبط العقوبات بأنشطة محددة. أو كما في حالة إحدى الدول، فُرضت العقوبات على عدد كبير من الأنشطة إلى درجة أن البلد بكامله أصبح معاقباً. والأمر الذي ينبغي أيضاً أن أذكره هنا هو أنه عندما تُفرض العقوبات على دولةٍ ما، فإنه يُسمح لبعض شركائه التجاريين الرئيسيين بإجراء معاملات محددة مع الدولة الخاضع للعقوبات.

لن أذكر في هذه المقالة قائمة الدول التي تخضع للعقوبات، لكنني سأناقش باختصار حالتي روسيا وإيران. فعندما فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي العقوبات على أفراد في روسيا، دخل الروبل دوامة هبوط سريع، وانخفضت قيمته في نهاية المطاف حوالي 50 في المئة.

وفي ذلك الحين، تم مراراً تداول أنباء تقول بأن الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية لروسيا تتضاءل وبأن اقتصادها على حافة الانهيار. فهل هو كذلك حقاً؟ إذ أنه في المقابل فرضت روسيا العقوبات على منتجات الاتحاد الأوروبي، ثم عقوبات على المبادلات التجارية مع تركيا.

ثم جاء انخفاض أسعار النفط، وتجددت التوقعات بانهيار الاقتصاد الروسي. فهل حدث ذلك؟

اعتقد أن اجتماع الانخفاض الكبير للعملة مع هبوط أسعار النفط دفع روسيا باتجاه تنويع اقتصادها وتنمية جميع القطاعات غير النفطية.

أما إيران فتخضع للعقوبات منذ قيام الثورة مع إضافة المزيد منها عاماً بعد عام. فأدى الانخفاض المستمر لقيمة الريال الإيراني إلى تشجيع صادراتها من القطاعات غير النفط والغاز. ومع السماح لعدد قليل من الدول بشراء عدد محدد من براميل النفط من إيران، ووجود دول أخرى تدفع مقابل ما تستورده من إيران بالذهب وغير، فإن “اقتصاد المقاومة” الذي تدعيه استطاع بشكلٍ أو بآخر أن يتجاوز العاصفة.

ومع رفع جزء من العقوبات، وحصول إيران على 50 مليار دولار بأقل تقدير من إجمالي أصولها المجمدة في المؤسسات المالية والحكومات الأجنبية، أصبحت إيران الآن قادرةً على التعامل مع انخفاض النفط بصورة أفضل، مع الاستمرار في تنويع اقتصادها وعائداتها الحكومية.

فلنعد إلى سؤالنا الرئيس: هل العقوبات مؤذية؟

أنا شخصياً أعتقد أن العقوبات مؤذية على المدى القصير فقط، وذلك حسب المدة التي تحتاجها الدولة للتكيف مع الواقع الجديد على الأرض. وبعد ذلك، تتعلق المسألة بتنويع اقتصاد الدولة في جميع القطاعات عدا قطاع التصدير الرئيس.

وبعض النظر عن الاستثناءات الممنوحة للشركاء التجاريين والمعاملات التي تجري عن طريق المقايضة، مثل الدفع عن طريق الذهب أو الصادرات، يصبح الاقتصاد في النتيجة أكثر قدرةً على التكيف مع العقوبات المستقبلية. وبعبارة أخرى، فإن العقوبات التي تبدو مجدية اليوم – حتى لو لم تكن فعّالة مئة في المئة- لن تنفع في المستقبل.

الفكرة الأخيرة التي أريد أن أترككم معها هي: هل ستكون العقوبات مجديةً إذا أصبح الدولار الأميركي أقل تداولاً في المعاملات التجارية العالمية؟