الفائض والعجز التجاريان: المحاسن والمساوئ

نُشر هذا المقال في الاقتصادي-الإمارات: رابط المقال

هل الفائض التجاري أمر جيد أم سيئ؟ لا أعتقد أن هناك إجابة وافية لهذا السؤال. ولكن قبل محاولة التوصل إلى إجابة، دعونا نستكشف موضوع الفائض التجاري.

ينتج الفائض التجاري عندما يُصدِّر بلد إلى بلد آخر أكثر مما يستورد منه. أما العجز التجاري فهو عكس ذلك تماماً. سوف تَتطَرَّق هذه المقالة إلى حالات الدول ذات الفائض التجاري الأعلى عالمياً لعام 2016، كيف وصلت إلى هذه المرحلة، وما الخطوة التالية بالنسبة لهم.

تتصدر ألمانيا القائمة، وهي تشكل المثال الأكثر إثارة للاهتمام بينها كلها، وذلك لأن فائضها التجاري يفوق الفائض التجاري للصين التي يفترض أن تأتي في أعلى القائمة. والآن قد يجادل المرء بأن صغر السوق المحلية هو السبب في ذلك، لأنها في هذه الحالة لن تستورد الكثير، بينما هي تصدر أكثر مما تستورد.

إلا أن الأمر نفسه ينطبق إذا ما أخذنا نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الاعتبار. في حالة ألمانيا، نجد أن عدد سكانها يتجاوز 80 مليون نسمة، ويُعتبَر نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من بين المراتب العشرين الأعلى في العالم إذ يبلغ 41,936.1 دولار (البنك الدولي). وبعبارة أخرى، فإن حالة ألمانيا فريدة واستثنائية، خاصة وأنها ليست بلداً غنياً بالموارد.

تحتل الصين المرتبة الثانية، وكوريا الجنوبية الثالثة، وهولندا الرابعة، وسنغافورة الخامسة. من أصل هذه الدول الأربعة، تفتقر ثلاث إلى الموارد الغنية، ويبدو أن التركيبة تختلف في كل منها. وإليكم السبب.

تمكن إحدى وسائل الحدّ من الواردات وزيادة الصادرات في الطريقة التقليدية للتلاعب بعملة البلد بحيث تكون أقل سعراً من نظيراتها سواء بشكل مصطنع، أو عن طريق قوى السوق. لا تتمتع ألمانيا بالرفاهية كجزء من منطقة اليورو – على الرغم من أن التسهيل الكمي كان يمكن أن يكون له دور أساسي في انخفاض قيمة اليورو وزيادة الصادرات من البلدان ذات القدرة التنافسية العالية في منطقة اليورو (لا يتم أخذ السياحة بعين الاعتبار هنا).

يكمن المفتاح الرئيسي هنا في الشركات الألمانية. ومن ناحية أخرى، كانت الصين تدير اليوان عبر مدة طويلة من الزمن عن طريق نشر الأدوات النقدية المتاحة لها لتخفيض قيمته. وعلاوة على ذلك، تستمد الريادة التجارية للصين زخمها من التكاليف المنخفضة للإنتاج، وهي نتيجة لانخفاض تكاليف العمالة ووفورات الحجم.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنه من الأرجح أن تفقد الصين ريادتها التجارية حيث أنها تدعم النمو القائم على الديون والصادرات لتتحول إلى الاعتماد على الاستهلاك. وبما أن عدد سكانها يتجاوز 1.3 مليار نسمة، فإن العقبة الوحيدة أمام حدوث انخفاض كبير في فائضها التجاري هي ارتفاع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي أو القوة الشرائية.

تشكل كوريا الجنوبية حالة رائعة أخرى. فعلى الرغم من أن حدودها البرية الوحيدة مع كوريا الشمالية مغلقة، إلا أنها تمكنت من رفع مكانتها لتصبح مركزاً تجارياً عالمياً رئيساً. وإذا أمعنّا النظر في أعلى 5 صادرات لديها مقابل أعلى 5 واردات، سنلاحظ أن منتجاتها الأربعة هي من بين أكبر الصادرات وأهم الواردات أيضاً.

تُعتبَر صادراتها من سفن الركاب والبضائع الاستثناء الوحيد لما سبق ذكره، فهي تشكل صناعة رعتها كوريا الجنوبية على مدى عقود من الزمن. يبلغ عدد سكان هولندا خُمس عدد سكان ألمانيا، مع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 52,294.8 دولار، مما يفسر جزئياً وضعها التجاري الحالي. أما بالنسبة لسنغافورة، فإن سكانها البالغ عددهم 5 ملايين نسمة يتمتعون بالمرتبة العاشرة من حيث الناتج المحلي الإجمالي للفرد الذي يبلغ 52,960.7 دولار. وتعدّ سنغافورة مركزاً تجارياً رئيساً وهي تربط عملتها بسلة من العملات غير المكشوفة، ولكنها مرتبطة بعلاقاتها التجارية أيضاً.

ما يثير اهتمامي هنا هو حقيقة أن الصين وهولندا من أكبر الشركاء التجاريين لألمانيا، وعلى الرغم من ذلك، تحقق هذه الدول الثلاث أعلى فائض تجاري يحتل المراتب الأولى والثانية والرابعة. يقودنا هذا إلى فكرة واحدة: التخصص.

الفكرة الأخيرة التي أريد أن أترككم معها: كيف يُعقَل أن الولايات المتحدة، مع ثالث أكبر عدد من السكان وثامن أعلى ناتج محلي إجمالي للفرد الواحد تمتلك أعلى عجز تجاري؟ (ملاحظة: يبلغ العجز التجاري للدولة التي تليها عُشر العجز التجاري للولايات المتحدة.